ثقافة خاص- في ظلمات البحر واللّيل والمصير المجهول: "حرقة"، مسلسل تونسي واعِد يُسلّط الضوء على خبايا الهجرة السريّة
"عادت بي ذاكرتي وأنا أحاول حياكة مقالٍ يُحاكي عذابات «الحرّاڨة» من التونسيّين الذين ركبوا بحر المتوسّط باحثين عن الرغد والهناء، عادت بي إلى نبش حادثة فيها من القسوة والإيلام ما يدمي القلوب، إذ فقدت عائلة تقطن على الشريط الساحلي بإحدى ضواحي العاصمة، إبنها، في إيطاليا، بعد سنوات من الغياب، ليعودَ إليها جثّةً هامدة في صندوق"...
ولأنّ الهجرة السريّة، تجربةٌ مَريرة ومجازَفة غير مضمونة العواقب، فلا يمكن تجسيدها وتناول تفاصيلها بسطحيّة وتبسيط، ومن أجل الغوص في ثنايا هذه القضيّة الحارقة، وتبيان ماهيّتها واستكشاف مَعالمها، أذنت مؤسّسة التلفزة التونسيّة للمخرج الأسعد الوسلاتي، بالشروع في إنجاز عملٍ تراجيدي واعد بتكلفةٍ إنتاجيّة في مستوى التصوُّر والمشهديّة والمضمون، وقد جدّدت قاطرة الإعلام العمومي في تونس، التعامل مع ذات المخرج، بعد النجاح الذي حقّقهُ مسلسل "المايسترو" بإمضائه وبصمته، في الموسم الرمضاني الماضي.
وكان من المزمع عرض مسلسل "حرقة" الذي حاكَ روايتهُ، السيناريست عماد الدّين الحكيم، خلال الشبكة الرمضانيّة لهذا العام، غير أنَّ جائحة كورونا وقفت صدّاً منيعاً أمام إتمامه، التزاماً من فريق العمل بالتدابير الاحترازيّة الصارمة المعلن عن سريان تنفيذها منذ مارس المنقضي، والمتعلّقة أساساً بفرض إجراءات الحجر الصحّي الشامل نهاراً وإقرار منع الجولان ليلاً.
وتعوّل التلفزة الوطنيّة، على إنهاء تصوير مشروعها الفنّي، وإخراجهِ في أبهى حلّة، وتُراهن في ذلك على نخبة من أبرز التقنيّين وصُنّاع الدراما من العاملين بالقطاع السمعي البصري، وتوحي عديد المؤشرات بتقديم مادّةٍ مثيرة تختلف عن سابقاتها من الأعمال شكلاً ومضموناً، وَفق ما لمسناه من الومضة الدعائيّة (غير نهائيّة) المطروحة بالصفحة الرسميّة لمسلسل "حرقة" على موقع «فيسبوك».
وحسبما استقاهُ موقع الجمهورية في الخصوص، فإنّ نسبة جاهزيّة المسلسل، وقفت عند حدّ الـ60٪، ومن المنتظر استئناف عمليّات التصوير موفّى ماي القادم أو مع حلول شهر جوان، تلاؤماً مع خصوصيّة الوضع الوبائي في بلادنا حينذاك، سيما وأنَّ الأسعد الوسلاتي يستعين علاوةً على الشخصيّات الرئيسيّة المؤدّية، بمجموعة وافرة من "الكومبارسات"، استجابةً للضرورة الدراميّة وما تتطلّبهُ بعض المواقف من إحتشاد.
ويقول مخرج "حرقة"، إنَّ تعليق تصوير المسلسل، قرار وقائي تمّ توخّيه دون تردّد، خشيةً على سلامة كافّة العاملين فيه، وحفاظاً على صحّة الجميع، وكذا دون المساس من القيمة الفنيّة للعمل، مؤكّداً بثّهُ بعد رمضان على القناة الوطنيّة الأولى.
ولا يمكن إدراج هذا الإنتاج، في خانة الأعمال التوثيقيّة لشهادات حيّة أو المؤرّخة لحادثةٍ بعينها، بل يُقدّم طرحاً مستلهماً من قصصَ وروايات حقيقيّة دارت رحاها عرض البحر، في قوارب خشبيّة وُصفت بـ"قوارب الموت"، ومن خلال السيناريو "المخدوم" بحبكةٍ من الكاتب عماد الدّين الحكيم، نقف عند أحداث في منتهى الأسى، فلا الدولة ولا ردعيّة القوانين ولا مناويلُ التنمية، أوقفت شغف الشباب في تحقيق أحلام يرى فيها النجاة والخلاص من قتامة واقعٍ لم تلُح تبدّلاته بعد...
وتُشخّص كوكبة من ألمع نجوم التمثيل، أدوار مسلسل "حرقة"، الذي أسال لعاب المتابعين، قبل عرضه، من ضمنهم على سبيل الذكر لا الحصر، وجيهة الجندوبي، رياض حمدي، مالك بن سعد، مريم بن حسن، سناء الحبيب، حكيم بومسعودي، عبد اللّطيف خير الدّين، محمّد حسين ڨريع، مهذّب الرميلي، ريم الحمروني، إضافةً إلى عدد من الممثلين الأجانب، كما نُشير إلى أنَّ المُمثلة عائشة بن أحمد، تسجّل حضورها في تأثيث الحلقات، وهي التي استقرّت بمصر، وأسهمت بتميّزها في نجاح أعمال دراميّة جماهيريّة، كنسر الصعيد لِـ محمّد رمضان، وأبو جبل لمصطفى شعبان.
ماهر العوني